المدوّنون الجزائريون.. ذلك التواصل المفقود
كتبهامحمد علاء الدين ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 15:50 م
المدوّنون الجزائريون.. ذلك التواصل المفقود بقلم: ع حاجي الجزائر
قراءة في تجربة التدوين الجزائرية
بعد أسابيع قليلة ستدخل مدونتي هذه عامها الثالث، وأعتقد أنها فرصة مناسبة للوقوف على بعض النقاط التي ميزت تلك التجربة القصيرة في عالم التدوين.
وسأنتهز فرصة قراءة تجربتي الشخصية للانطلاق إلى محاولة قراءة تجربة التدوين الجزائري على موقع مكتوب.
في آخر يوم من العام 2005م، وجدتني ودون سابق تصميم أنشأ مدونة على مكتوب أطلقت عليها تسمية “هذه الدنيا”، فقد أردت أن تكون منظاري لهذه الدنيا التي تتلاطم فيها المتناقضات.. أشياء جميلة تملؤنا نشوة وسعادة وأحلاما وردية، وأخرى قبيحة، بل في غاية القبح والبشاعة لا تزيدنا إلا حزنا وإحباطا. لقد كان علي كما هو الحال بالنسبة لأي شاب في الثاني والعشرين من العمر يجد نفسه بعد التخرج بطالا تتقاذفه المؤسسات دون أن يجد مهنة ما، تتلاطم الأفكار في ذهنه دون أن يجد منبرا ينشر فيه ما يخطه قلمه، أن أبحث عن منبر يوصل صوتي الخفيض إلى “هذه الدنيا”. أعتقد أن المدونات كانت ذلك المنبر الذي بحثت عنه طويلا.
في ذلك اليوم كتبت ونشرت أول مقال لي على المدونة، كان الموضوع بعنوان “لنتخيل.. إسرائيل في قلب أوربا”، كتبت الموضوع بشكل سريع وارتجالي فقد كان علي أن أنشر شيئا ما حتى أرى شكل هذا الموقع الالكتروني الذي لا يستغرق إنشاؤه أزيد من دقيقتين، ولا أخفيكم أنني شعرت بالسعادة حين أدركت أنه بات بإمكاني الكتابة والنشر بهذه السرعة القياسية.
النشر في المدونة عملية متعلقة بالمدون شخصيا لا بغيره، بمعنى أليس ثمة من رقيب سوى المدون ذاته، وعليه فالموضوع ينشر كما هو، بأخطائه اللغوية وبتجاوزاته إن وجدت، ليس هناك رقيب على الأفكار ولا مدقق لغوي يقوم بتصحيح الأخطاء، وليس عليك الانتظار لأسابيع وأشهر كما هو الحال بالنسبة للجرائد لتعرف إن كان موضوعك الذي أرسلته سينشر أم لا.
ميزة المدونات هي أنها تتيح لنصك التحليق إلى العالم في نفس لحظة ميلاده. أليس ذلك فتحا عظيما؟.
بداية محتشمة
في ذلك الوقت الذي شهد تحديدا انتشارا مذهلا للتدوين في العالم العربي - مع العلم أن المدونات ظهرت بشكل واضح عام 1999م- كان عدد المدونات الجزائرية على موقع مكتوب متواضعا جدا. نفس الشيء يقال بالنسبة للقراء، لقد كان النشر في المدونة يعني النشر في منبر لا تطلع عليه إلا قلة من القراء، ربما كان هؤلاء من النخبة، لأن الغالبية الساحقة من مستخدمي الانترنت في العالم العربي لا تملك وقتا لقراءة مقالة في ظل وجود أشياء أخرى أكثر إغراءا كالدردشة والألعاب الإلكترونية.
لكن وبعد مرور قرابة السنتين على هذه التجربة العربية المتميزة في التدوين، أقصد تجربة مدونات مكتوب التي بدأت مع نهاية العام 2005م، يبدو أن ثمة تحسن ملحوظ فيما يخص المدونات الجزائرية، فقد باتت اليوم تناهز 3000 مدونة، وفي الأسابيع القليلة الماضية شهدنا توافدا ملحوظا لعديد الأقلام المعروفة على الساحة الأدبية والإعلامية، وهي أقلام ستساهم ولا ريب في رفع مستوى المدونات الجزائرية.
أما فيما يخص القراء، فيبدو أيضا أن ثمة إقبال متزايد على هذا المنبر الإعلامي الجديد، وهو ما يبشر بأن المدونات ستصبح قريبا صوتا إعلاميا مسموعا في الجزائر، مع تسجيل تأخر كبير في لعب دور مؤثر على الساحة الإعلامية والسياسية مقارنة بما يحدث في العالم وكذا في بعض الدول العربية.
وإذا ما أردنا أن نجعل من المدونات صوتا مسموعا ومؤثرا ومحترما، فلا شك أن المسؤولية ستقع كاملة على المدون الجزائري الذي يجب أن يحدد أهدافه بدقة. وهنا دعونا نتساءل: ما هي أهدافنا من التواجد ضمن هذا الفضاء التدويني الذي يشهد ملايين الكتابات يوميا؟.
إن كان الهدف هو التواجد بقوة ورقي ضمن المدونات العربية والعالمية، والعمل على صناعة الوعي وصياغة رأي عام والتأثير بقوة تماما كباقي مجالات السلطة الرابعة، بالإضافة إلى السعي لإبراز طاقاتنا الأدبية والعلمية الشابة - وما أكثرها- فإنها لأهداف رائعة قد تجنى منها ثمار طيبة.
أما إن كان الهدف هو مجرد التواجد لمجرد التواجد، ولو كان بمواضيع مسروقة أو منقولة، وأخطاء لغوية ومعرفية فادحة، فأعتقد أن الغياب والحال هذا هو أفضل من الحضور، وللأسف، فإن كثيرا من مدونينا لا يقدمون خدمة للجزائر والمثقف الجزائري حين يكتفون بنقل المواضيع من المواقع والجرائد الجزائرية والعربية والأجنبية وإعادة لصقها في مدوناتهم. لا أمارس دور الرقيب هنا، ولكنه رأي أقوله بصراحة إيمانا مني بصدقه.
كما لا أزعم أنني متفوق على غيري من المدونين، ولكن أزعم أنني أبذل مجهودا في سبيل إعطاء صورة مشرقة للشاب الجزائري المثقف، وهو المجهود الذي أحث زملائي المدونين على بذل مثله بل أكثر منه، لأن من المبهج أن نرى مدونات جزائرية جيدة شكلا ومضمونا، لا مجرد خربشات سيئة الإخراج وعديمة المعنى.
القطيعة..
وعلى ذكر التأثير الذي يجب أن تلعبه المدونات، أود أن أشير هنا إلى علاقة المدونات بالصحافة في الجزائر هي علاقة قطيعة، فعلى كثير من الدول العربية، لم يحدث أن تطرق الإعلام السمعي والسمعي البصري إلى المدونات والمدونين، أما الصحافة المكتوبة فهي لا تتطرق إلى ذلك إلا لماما، رغم أن هذا الموضوع الثقافي يستحق أن يحظى بنقاش واسع، لعل الخطأ في المدونين أنفسهم أم لعل الوقت لم يحن بعد لذلك؟
التواصل المفقود..
هناك قطيعة أخرى.. إنها قطيعة شبه تامة بين المدونين الجزائريين أنفسهم، ألم تلاحظوا بأننا أقل المدونين احتكاكا ببعضنا البعض مقارنة بسائر المدونين العرب؟.
لا أتحدث عن اللقاءات المباشرة أو اتحاد للمدونين الجزائريين، فذلك يبدو أمرا بعيد المنال في هذه اللحظة، بل أتحدث عن مجرد تبادل الزيارات الافتراضية والتعليقات والآراء والانتقادات البناءة، ففي الوقت الذي يصول ويجول كثير من المدونين الجزائريين في المدونات العربية، ويتركون فيها تعليقاتهم ورغباتهم الملحة في التعرف على أصحابها، قلة هم أولئك الذين يتواصلون مع المدونين من أبناء وطنهم، لا أدري إن كان في الأمر تبعية للآخر واستعلاء على أبناء وطنهم، ربما اعتقادا منهم أنهم أعجز من أن ينتجوا شيئا ذا قيمة.
ولا أبرأ نفسي من تلك التهمة، فكثيرا ما وجدتني أتواصل وأتعرف على مدونين من مختلف الأقطار، دون أن أفعل الشيء ذاته مع زملاء قريبين مني جدا، اللهم إلا اثنين أو ثلاثة ممن أفتخر بصداقتهم، وأتمنى أن تستمر وتتدعم بصداقات أخرى مع شباب واع ومثقف، أعتقد أن هذا الفضاء هو مكان مناسبة لاستكشاف بعضنا البعض.
وهنا أدعو زملائي المدونين إلى عدم الترفع عن زملائهم أبناء وطنهم، إنها دعوة لنمد جسور التواصل والتعارف والمودة بيننا أولا، قبل أن نمدها للآخر.
أتصور أن تبادل التجارب والأفكار المفيدة والانتقادات البناءة سيكون شيئا جميلا ونافعا.
وبالعودة إلى الحديث عن تجربتي المتواضعة في التدوين، أعترف أن الهاجس الذي يطاردني الآن هو هاجس الاستمرارية، فأنا لا أريد لهذه المدونة أن تتوقف بل أريد لها أن تستمر، ولكن ترى هل سأنجح في ذلك؟. إنها فعلا مهمة صعبة، إذ ليس من السهولة بمكان على أي مدون جزائري أن يستمر في تحديث مدونته بصورة دورية، سيما أولئك الذين لا تتاح لهم فرصة الاحتكاك بالإنترنت كثيرا لهذا السبب أو ذاك.
علينا أن نكتب ونثابر، يجب ألا يحبطنا قلة الزوار أو ندرة المعلقين، فالمدونات الأكثر شهرة ورواجا والأكثر تعليقا ليست هي الأفضل بالضرورة، ثمة مدونات تعج بالزيارات والتعليقات لكنها ذات مضمون هزيل، في حين ثمة مدونات رائعة لا تحظى إلا بنزر يسير من الزوار والمعلقين. صحيح أن من المحبط أن يكتب المرء ثم لا يقرأ له أحد، أو لا يشجعه أحد، لكن ذلك لا يعني الاستسلام والتوقف، بل يستوجب مزيدا من المثابرة.
ثمرة تدوينية!
أما إن أردت الحديث عن أكبر ثمرة جنيتها من هذه التجربة الجميلة، فهي أنها وضعتني على سكة العمل الإعلامي الذي بدأته هاويا بالمدونة، واستطعت أن اقتحم بها قبل شهور عالم العمل الإعلامي مع صحيفة يومية، بمعنى أنني دخلت العمل الصحفي من باب التدوين. لقد تأكدت بعد ذلك أن ما صرفته من وقت مال في نوادي الانترنت، أو بين المنزل والنادي الذي يقع أقربها على بعد ساعة من البيت، لم يذهبا هباء منثورا.
قبل أن أضع نقطة النهاية، نسيت أن أذكر أنني في بداية عام 2007م، قمت بتغيير عنوان المدونة إلى “أنا أكتب، إذًا أنا موجود”، محاولا من خلال هذا العنوان اختصار الفلسفة التي تقوم عليها هذه المدونة وهي إثبات وجودنا من خلال فعل الكتابة، طبعا لا أتحدث عن وجودنا الفيزيائي فهو ليس محل تشكيك، بل أتحدث عن مفهوم المواطنة، وجودنا كمواطنين. هذا الوجود المشكوك فيه بالجزائر والعالم العربي.
كتبها ع حاجي في 09:00 صباحاً ::
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج





























